الغزالي
13
إحياء علوم الدين
فيقولون تركناهم وهم يصلَّون وجئناهم وهم يصلَّون . فيقول الله سبحانه وتعالى أشهدكم أنّي قد غفرت لهم « ثم منهما سمع الاذان في وسط النهار للأولى والعصر ، فينبغي أن لا يعرج على شغل ، وينزعج عن مكانه ويدع كل ما كان فيه . فما يفوته من فضيلة التكبيرة الأولى مع الامام في أول الوقت لا توازيها الدنيا بما فيها . ومهما لم يحضر الجماعة عصى عند بعض العلماء . وقد كان السلف يبتدرون عند الاذان ، ويخلون الأسواق للصبيان وأهل الذمة . وكانوا يستأجرون بالقراريط لحفظ الحوانيت في أوقات الصلوات ، وكان ذلك معيشة لهم وقد جاء في تفسير قوله تعالى * ( لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ الله » 1 « انهم كانوا حدادين وخزازين ، فكان أحدهم إذا رفع المطرقة ، أو غرز الاشفى فسمع الاذان ، لم يخرج الاشفى من المغرز ، ولم يوقع المطرقة ورمى بها ، وقام إلى الصلاة الرابعة أن لا يقتصر على هذا بل يلازم ذكر الله سبحانه في السوق ، ويشتغل بالتهليل والتسبيح . فذكر الله في السوق بين الغافلين أفضل . قال صلَّى الله عليه وسلم « ذاكر الله في الغافلين كالمقاتل خلف الفارّين وكالحيّ بين الأموات » وفي لفظ آخر « كالشّجرة الخضراء بين الهشيم » وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « من دخل السّوق فقال لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو حيّ لا يموت بيده الخير وهو على كلّ شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة » وكان ابن عمر ، وسالم بن عبد الله ، ومحمد بن واسع وغيرهم ، يدخلون السوق قاصدين لنيل فضيلة هذا الذكر . وقال الحسن : ذاكر الله في السوق يجيء يوم القيامة له ضوء كضوء القمر ، وبرهان كبرهان الشمس . ومن استغفر الله في السوق غفر الله له بعدد أهلها وكان عمر رضي الله عنه إذا دخل السوق قال ، اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفسوق ومن شر ما أحاطت به السوق . اللهم إني أعوذ بك من يمين فاجرة وصفقة خاسرة
--> « 1 » النور : 37